عرض كتاب

البوكالة في الموروث الشعبي الليبي

بقلم الكاتبة المبدعة فاطمة غندور

 

حبيبي لي وأنا له

سأرافقه حتى لو باعني في السوق

أحبه أحبه لا أخفي ذلك .. لن أنكره

حتى لو قطعوا كل شاماتي.*

" نموذج شعر ( اللاندي ) لنساء البشتون الأفغانيات".

 

للمرأة أينما كانت في رقعة هذا العالم فنونها وتراثها الشعبي الشفاهي الذي تبوح من خلاله بمكنوناتها وما يعمر وجدانها، شكوى ألم وفجيعة، أم بوح فرح وأمل، معلن أم مرموز، و يأتي إصدار الشاعرة الليبية كريمة الشماخي المعنون بـ: (  البوكالة في الموروث الشعبي الليبي)، حافظا وموثقا لأحد صنوف غناء المرأة الشعبي، وهو جهد بكر ورائد، وتأتي أهميته في ظل نقص الجهود المنظمة والمدروسة للجمع والحفظ من جهة (بالنظر إلى الرقعة الليبية)، وإن حضرت فمركزيتها ممثلة إما في الشعر الشعبي (الذكوري عادة)، أو الأمثال الشعبية من جهة أخرى.

وحيث أننا لم نؤسس بعد لولوج علم المأثورات الشعبية كمنهج ومفردات إلى كلياتنا المتخصصة في العلوم الإنسانية ليتاح للمواد الخام الشعبية (المادية واللامادية) - من ثم - المحك الحقبقي للبحث والتحليل بالمناهج الفولكلورية المتعددة.

يطل علينا الإصدار بوجه سيدة ليبية بزيها الشعبي تجلس محاطة بأكوام من الخيوط الصوفية (طُعمة)، فيما تمعن ببصرها في ما ازدحم حولها من صوف مغزول، لتنسجه كما تنسج بوقالاتها المتوارثة منذ أزمان، لتبعث التفاؤل والبشر في قلوب الصبايا اللاتي يعولن على غنائها الحاني الشجي لخصال حبيبهن المنتظر.

مُفتتح الكتاب مُزدحم مجموعة من الصور: نافورة الأحصنة (طرابلس مدينة الحب والجمال)، شيخ لييى يؤدي رقصة شعبية، وآخر يصعد مخزن مأونته في معمار جبلي (كاباو)، وطفلة ترتدي زيا تارقيا، وقصائد مختارة فصحى وعامية، ثم تسطر إهدائها إلى وطنها ليبيا وشعبها، وإلى أمهات الوطن مرجع تراثه، واخيرا إلى والدة الشاعرة (بدرية بورو)، ثم تدخلنا إلى مقدمة مُستعرضة لأجواء جلسة البوقالة كما عاصرتها في مدينتها طرابلس، فالإستهلال بقول سيدة موثوقة (كبيرة في السن)، وصاحبة خبرة، وكمرجعية اجتماعية للعادات والتقاليد المتوارثة، في إلقاء مقطع أول البوقالة:

 

على أول ما بديت وعلي النبي صليت

وعلي صحاب العشرة ناديت

وقلت يا خالقي غيت كل مغيت

 

ورغم تحديدها للفضاء الزمني الذي تلتقي فيه الفتيات مع راوية البوقالة في الليالي الرمضانية،

إلا أن سؤالي لأكثر من سيدة ممن عاصرن جلسات البوقالة الطرابلسية أكدن لي أن الأمسيات اليومية كانت مسرحا لقعدة البوقالة، فما إن تشير السيدة الحافظة إلى الفتيات حتى يتجمعن حولها، وفي بعض الأحيان يأتي الطلب من الفتيات إلى السيدة، ولم يكن مشروطا بليالي رمضان فقط، فالبوقالة الفضاء الاجتماعي المتاح في مجتمع بطريركي (سيادة الأب) محافظ لا يتعدى دور المرأة فيه الاهتمام ببيتها - الذي لا تغادره إلا لماما - وزوجها وأبنائها، لذلك تقول ذاتها لذاتها وتعيد تكرار ذلك، تبث هواجسها وحيرتها المرتهنة بصراعها الدائب من أجل أن تتحقق متطلبات بقائها وفق الأعراف والتقاليد المرعية والبوقالة التي ترد بلهجة شعبية دارجة لا تكلف فيها. مفرداتها عفوية بسيطة لا قافية ٌإلزامية. أما فضاءها الجغرافي فمُحدده أجزاء كبيرة من المدن الليبية، وإن كانت مركزيتها مدينتي: طرابلس وبنغازي، وقد تتغير بعض كلماتها إلا أن المضمون واحد.

وعن وقائع جلسة البو قالة التي تصفها كريمة كمعاصرة لها: تأخذ سيدة الجلسة من تستحوذ بألباب الفتيات (أُميمة أو حنة) غطاء رأس - التستمال أو ما شابها ذلك - من إحدى الفتيات الجالسات، وتطلب منها أن تحمل نية أمنيتها. فإذا كانت غير متزوجة يكون أملها عن زوج المستقبل (قوة السعد كما يشاع محليا)، وإن كانت متزوجة فأمنيات بمزيد من الصحة والرزق والسعادة الزوجية، بعدها تطلب سيدة الجلسة من (الفتاة أو المرأة) أن تعمل عقدة في حاشية الغطاء، وتبدأ السيدة بإلقاء أبيات البوقالة التي قد تتطابق مع ما حملته في سرها الفتاة أو المراة من نوايا، وهكذا تفك عقدة غطاء الرأس، وتعطيه لفتاة أخرى إلى أن يمر على جميع الفتيات بذات الطريقة، لتشمل كل الحاضرات، فيغادرن الجلسة مشبعات بالبهجة وتباشير حالمة بفأل حسن لأفراح ومسرات قادمة. ولعلها إحدى الوظائف النفسية التي تشي بها جلسة البوقالة. وتستدرك كريمة أنه قد تكتب الراوية أشعار البو قالة وتضعها في إناء من الفخار بعد أن تبخر المكان بشكل جيد، وتبدأ الفتاة بعمل عقدة صغيرة في فستانها ثم تحمل في سرها أُمنيتها، عقبها تمنحها الراوية الورقة المكتوبة لتقرأ فألها، وفي ظني أن ذلك حدث في زمن لاحق تحقق للمرأة فيه محو أميتها سواء السيدة الراوية أم الفتاة.

تجتهد كريمة في تعريفها لمصطلح البو قالة الموزع بين الشعر الموزون، الشعر المنثور، الحكايات. ونلحظ أن تعريفها لدلالات مصطلح البو قالة يُحيلنا إلى مرجعية ذكورية فهي (نوع من الأدب الشعبي لشاعر أو راوي مجهول)، فهل تقصدت أن: البو= الأب، وهو لفظ دلالته تشير إلى مالكها، (القالة، القول) وربما كان المُلقي الأول لهذه الأبيات ذكر، ثم تحولت ملكيتها إلى المرأة مع الإبقاء على التسمية (البو قالة)، فمتنها شُغله الشاغل والمخاطب فيه الرجل، وإن كان الخطاب احادي الوُجهة من المرأة إلى المرأة؟.

ترى كريمة أن للبو قالة غرضين أساسيين: الترفيه والسمر. وأن لها وظائفها التربوية! كونها تصدر عن أم أو جدة لها علائق حميمة بفتيات العائلة (داخل البيت)، والفتيات الأخريات (في المحيط المكاني). وهي سيدة لها مكانتها واحترامها من تشيع الأمل والتفاؤل وتعالج نفوسهن في ذلك الجمع النسوي، خاصة وأن عوالمها مغلقة، حيث لا متنفس إلا ما تبثه رسائل البوقالة، ولو كانت وهما لما تحب وترغب من مشاعر جياشة تجاه حبيب مُنتظر يأتي وقد لا يأتي، تتوسل في ذلك بوسائط دينية شائعة تبدو كالأزمة تبعث الأمان والاطمئنان لقبول ما تتطلع إليه كاستدعاء للأولياء الصالحين (سيدي عبد الوهاب، يا سيدي مصطفى، يا سيدي فرج).

ورغم بساطة وعفوية هذا المخزون الأنثوي الشعري الذي يُنظر إليه مرتبطا بوعي زمانه ومكانه واشتراطاته الاجتماعية والثقافية، حيث أننا نلمس في متن الأشعار صورا لامرأة تفني ذاتها من أجل إرضاء الآخر المُتخيل القادم، أو الزوج المتحقق، ولا يظهر كيانها ومركزها إلا مٌوصوفة بالمطيعة المؤدبة والحافظة لشرفها وعفتها في حضوره وغيابه، لا تطلب شيئا لذاتها إلا أن تكون له الأنثى الجميلة المُغوية المرغوبة، المثال للخصوبة والحنان، وسنعرض نماذج تدلل على ذلك، إلا أن هناك ما شذ عن تلك الصور التقليدية، وحتى لا يكون حكمنا عموميا، ففي المتن ما يوحي بالتمرد والاحتجاج على بعض من المحظورات والضوابط الاجتماعية الملزمة للمرأة كتابعة وخاضعة، حين تعلن عن رأيها في اختيار من تحب، بتحديد شروطها في شخصه وسلوكه بل وحتى مهنته، ويصل رفضها المعلن تجاه من أجبرت على الزواج به حد تركه والهرب لملاقاة من أحبته ورغبته. كما إنها تنتقد بعضا من السلوكيات الاجتماعية السيئة كالنميمة، والغيبة، والغيرة في غير محلها، وأيضا التميز العنصري والفوارق الطبقية، وتمنحنا البو قالات الست والسبعون ما يمتع حواسنا من مشاهد جمالية مستقاة من المكان المغلق الذي ألفته وعانقته ببصرها، نتحسسه كقُراء من مستعملات الحياة اليومية التي تبدو ذات خصوصية لطرابلس وضواحيها (محبس حبق، الخوخ والرمان، الدلنجة، وردة وشمامة، أني وريدة، زريعة الكسبر) وما ارتبط بالأزياء الشعبية (كاط الطرنج، فرملة زرقة، حولي مور، لبست العكري، دبالج ذهب)، وعرض مفتوح لمباهج الجسد من عالم الأنوثة الخاص وفضاءاتها، فالبو قالة الملاذ للبوح الأنثوي المشرع، حتى أنها تستعير صوت الآخر لتتغزل بمباهجها نيابة عنه (سالف على خدها، بالمسك والعنبر تملا بتاتيها، قفطان زهر، النجوم مثلتهم ساقك، هدلت اديك الشعور، والوشقة والجنزارة، عود قماري، خطمت تجرجر في فوطتها، وشمه علي خدها زي القنديل) وتفاصيل من معمار الأمكنة المتعددة الظاهر والخفي (طبست علي شط البحر، مشيت للحومة، سقيفتها بالمصابيح تضوالي، خشيت باب الجنان، الحوش بالداليا والجابية بالحوت، قفص مرجان، روحنا من أزمير، السما قنطرة والبحر سلوم).

1. نماذج من البوقالة (ترد في الكتاب بوكالة كعنوان، أما داخل الكتاب فترد بو قالة) 

اسمك علي والعلي عالي

يا جوهرة في العقد

يا نقش خلخالي

دير روحك طبيب

وتعال شوف حالي

نصلي أني وياك جماعة

في الجامع العالي

 

2. طقيت باب الجنان طلع لي عرف الفلفل

الياسمين حل لي والورد قال لي ادخل

أني خشيت إللي بيطير يطير والي بينزل ينزل

 

3. خشينا حني التلاته للجنان

وحدة خذت كابه ووحده خذت شال

وأني خديت سيد الرجال خير من ألف ريال

 

4. يا شيخ الأسمر اناديك ضايق بلا راد حالي

شيل المفاتيح في ايديك والمسكره حلها لي

 

5. خطم من فم حوشنا يزرع في الدلنجة

الوجه دورة قمر والفم فيه فلجه

دار روحه عثر وكعمز علي الدرجه

 

الإصدار (البوقالة في الموروث الشعبي الليبي) وعدت الشاعرة كريمة الشماخي المقيمة بهولندا في مكالمة هاتفية دارت بيننا مؤخرا، بإعادة طبعه لتتفادى بعضا من العيوب الفنية التي شابته، وهو الإصدار السادس، سبقته دواوين شعرية (حوار مع الذات، الوديعة، ابنتي الوحيدة، خواطر امرأة عربية، عفوا سيدي).